كل امرئ يعمل في هذه الدنيا لا بد أن يتضجر من هموم عمله، سواء كبر العمل أم صغر. فلا يخلو مجلس من مجالس الناس إلا ويتحدثون فيه عن أعمالهم وما يعتريهم فيها من الهموم والمشكلات التي تنغص لذة تلك الأعمال (إن هناك لذة) وتحيل حلاوة جهودهم إلى مرارة إن كانوا يستطعمون حلاوتها، وقد قال جل من قائل: }لقد خلقنا الإنسان في كبد{ ومن أصدق من الله قيلًا؟!
في ذات جلسة جمعتني بزملاء المهنة الشريفة «التعليم»، دارت أحاديثنا حول هموم العمل التي يختلق الكثير منها معاشر الطلاب. شرقت بنا الأحاديث صوب سلوك الطلاب وأخلاقهم، وأدلى كل منا دلوه في هذه القضية، ثم خرجنا بنتيجة «الزمن تغير»، ودائمًا ما نعلق تغيّر حالنا بالزمن، وكأن بيتي الشافعي -رحمه الله - لم تطرقا أسماعنا:
نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب
ولو نطق الزمان لنا هجانا
وبعد ما خرجنا بالنتيجة السالفة غربنا صوب مستوى الطلاب العلمي، وتقاذفتنا لججه، وساءنا عوجه، وطال كلامنا في هذا الجهل الخضم، والجلل الذي عم وطم، وتفرقت أحاديث من جمعتهم الجلسة في هذا الموضوع، وقام كل منهم يسرد حكاياه بحرقة!
قال أحد أعضاء الجلسة: في امتحان نهائي من امتحانات مادة «النصوص» لمرحلة الكفاءة ذكرت في إحدى الفقرات بيتًا من قصيدة مقررة في ذلك المنهج ثم كتبت سؤالًا تقليديًا: «من القائل»؟ وبينما كنت منهمكًا في تصحيح أوراق الطلاب، إذ فاجأتني إجابة أحدهم، حيث ذكر اسم الشاعر المعاصر المشهور صحيحًا، ولكنه استمر في التعريف به «وليته سكت»، فقال: وهو شاعر جاهلي معاصر، فقلت ما شاء الله إذن هذا شاعر «مخضرمون» بصيغة الجمع، لأنه عاصر كل العصور الأدبية، ومن الظلم والحيف أن نصفه بـ«مخضرم» بصيغة المفرد، وانتباني حينئذ ضحك الأسى على غرار قول المتنبي: «وشر البلية ما يضك»، فاعترض أحد الجالسين على صاحبنا قائلًا: «هل وضحت مفهوم المعاصرة للطلاب، أم أن إهمالك وتقاعسك عن الشرح أوقعا هذا الطالب المسكين في فخ الجهل؟ فقال المعلم المكلوم: «والله لقد بينت معناها لهم، ولكنه من الطلاب الذين يكتبون في ورقة الإجابة ما لا يفهمون، لأن هدفهم هو طمس بياض الورقة بأي جواب، زعمًا منهم أن هذا هو سبيل النجاح، وما أكثر هذه الطائفة ــ لا كثرها الله».
وبعدما فرغ هذا المعلم من سرد قصته، صاح معلم آخر ولسان حاله يقول: «رويدك بعض الشر أهون من بعض» يقول معلم التربية الإسلامية «لقد أضحكتني إجابة أحد الطلاب في المرحلة المتوسطة حتى بكيت، وذلك حينما كنت أصحح أوراق إجابة أحد الامتحانات، إذ صعقني طالب بجواب ينبئ عن جهل مركب قد عشش في دماغه، حيث ظن المسكين أن الطاغية الهالك فرعون نبي من الأنبياء، وأدركت ذلك حينما قرأت في الجواب اسم الطاغية وقد أعقبه بدعاء لا يقال إلا لنبي أو رسول. ولنفترض أن الطالب لم يسمع من أحد معلميه حديثًا عن فرعون وعتوه على موسى - عليه الصلاة والسلام - وقومه، أو يعقل أنه لم يقرأ يومًا من الأيام ما ورد عن فرعون وكفره وطغيانه في القرآن الكريم لتنكشف عنه غشاوة الجهل التي رانت على عقله؟
اللهم لا شماتة بهذه العبارة رفع أحد الثلة صوته، ففطن آخر لما أراد، وقال: «نحن لا نروي هذه القصص تفكهًا أو سخرية بأصحابها، معاذ الله وإنما نوردها والله متألمين من الحال التي وصل لها مستوى أبنائنا الطلاب».
واستأذن بعدئذ معلم «مادة القواعد» زملاءه، ليعرض لهم قصة أحد الطلاب في الامتحان يقول المعلم: «طلبت من الطلاب في الامتحان أن يذكروا مثالًا لخبر نوعه شبه جملة، وسؤال التمثيل في مادة القواعد قد يكون مجهرًا ينظر به المعلم إلى سعة إدراك طلابه، وتفتق أذهانهم، فتقر عينه رضى بما قدم، وقد يكون منفذًا ينفذ منه نتن رائحة المعلومات المختزنة في ذلك العقل المغلف بغلاف الرأس الخارجي، فلا يملك حينها المعلم لا أن يتلثم عند التصحيح، ليحمي أنفه من الحساسية.
عندما بدأت في تصحيح أوراق الإجابات، تجاذب محياي الانبلاج والتقطيب فتنبلج أساريره حين تكتحل عيني بإجابة صحيحة، وتقطب حين يقذي عيني ما أراه من خطب فيه. وظللت على تلك الحال حتى فاجأتني إجابة عن السؤال السالف فحرت وتنازعتني دواعي الفرح والترح، ولم أستطع تحديد حالي بين الانبلاج والتقطيب! لقد أجاب الطالب عن سؤال: «مثل لخبر نوعه شبه جملة» بإجابة صحيحة خاطئة، حيث كتب: «الجبل تحت الكرسي». تأملت الإجابة فوجدتها سليمة اللفظ مختلة المعنى. فلو أنه صاغ المعنى بتركيب آخر لكان أقوم، كأن يقول: «الكرسي فوق الجبل». ومع ذلك لم يكن لي بد من قبول إجابته ورصد الدرجة المستحقة على السؤال!
اختلف زملاء المهنة وانقسموا إلى طوائف حيال الإجابة، فذهب بعضهم إلى أنها إجابة خاطئة، لأنها فقدت ركنًا من أركان صحة الإجابة، ألا وهو «صحة المعنى». وذهب آخرون إلى أنها إجابة صحيحة، لأن الطالب أبدع في التعبير وجدد في الأسلوب فهو بين أن «الكرسي فوق الجبل» ولكن بأسلوب التضاد، وقد فهم ذلك دون أن يأتي بالجملة الصريحة. أما الطائفة الثالثة فرأت ما رأى معلم المادة، إذ وضع الدرجة بناء على صحة اللفظ دون المعنى. وأتت طائفة رابعة بما لم يأت به الأوائل، حيث سألت معلم المادة عن مستوى الطالب الدراسي، فإن كان مستواه جيدًا، وتفكيره ناضجًا، فإجابته تستحق وسام إدارة المدرسة لأفضل إجابة، لأنه جمع فيها بين الصواب وجمال التعبير. أما إن كان غير ذلك، فهي لا تستحق الأخذ والرد حولها. فقال المعلم: «أعوذ بالله، حاشاه أن يكون من أصحاب الصنف الأول، لأنه لا يعرف كوعه من بوعه، وأظن أن إجابته رمية من غير رام، ولا تستحق هذا التحليل والتعليل».
قلت في نفسي: لقد غبطت هذا الطالب الذي (نام ملء جفونه عن شوارد إجابته، ولم يعلم بأن المعلمين قد سهروا جراها واختصموا)، فقال نال ما لم ينل صاحباه اللذان سردت قصة امتحانهما في مستهل الجلسة، مع أنهما قد أتيا بأدهى مما أتى به، ولكن الله - سبحانه - قد رزقه «سيرورة الإجابة»، كما رزق الشاعر جريرًا «سيرورة في شعره».
بعدئذ طال عرض القصص المماثلة، وعرض طولها. ثم ألقى أحدهم سؤالاً لم يجد من يحمل جوابه: «ما سر ضحالة المعرفة عند بعض الطلاب؟!».
فهد علي العبودي ....الدلم .....المعرفة .....عدد 159