إن أية نظرة شمولية عامة لأوضاع التعليم في العالم، كما هي عليه في حالات واسعة عبر دول الشرق الأوسط، سترينا صورة لمعلم (بغض النظر عن المستوى الذي يختص به: ابتدائي، ثانوي، جامعي) غير واعد: هو معلم يحسب كل دقيقة، من لحظة دخوله للصف الدراسي حتى خروجه منه، بمعيار المكافأة النقدية الوحيد الجانب، لأنه يجد أن ما يحمله من معارف يمكن أن يترجم بلغة الأرقام الحسابية وليس الإنسانية أو الاجتماعية الأعم فائدة، إذ عليه أن يفكر مليًا بما «سيضخه» من معلومات لتلاميذه وبما يمكن أن يحصده من مكافآت. ولأن العملية قد تحولت إلى «ضخ»، أشبه بضخ الماء الصافي أو النفط، إذًا على المعلم أن لا يقدم كل ما في جعبته دفعة واحدة، وإنما عليه أن «يقطر» معارفه ومعلوماته حتى يمنح إدارة التعليم الفرصة لقياس «المضخوخ» على نحو حسابي نقدي: كل وحدة معلومات تساوي «كذا» دولار أو دينار أو ريال. إنه لمن المؤسف أن يجري هذا في العديد من البلدان العربية حاليًا، ابتداءً من المستويات الابتدائية حتى الجامعية والدراسات العليا. المعلم يريد أن يحتسب كل شيء بطريقة «نقدية»: المعلومة ووضع الأسئلة وتصحيح الدفاتر والاستئناس برأيه في اللجان أو في مجالس المدارس والكليات: كل شيء يجب أن يترجم إلى أرقام وأوراق نقدية! وعندما تسأله، فإنه لا يتحرج من الإجابة بأنه إنسان ولديه عائلة ومسؤوليات، وأن عليه، كما هي الحال مع التاجر وبائع الحلوى، أن يعيش ويوفر الخبز لأبنائه. ولا ضير في هذه الإجابة، ولكن الضير في «الموقف» الذي أحال المعلم إلى سلعة وأحال العملية التعليمية إلى بضاعة يمكن استبدالها بالبطاطا والطماطم والبيض! وللمرء الاعتراف مع ذاته أن قيمة ما يقدمه المعلم الحقيقي لا يمكن أن تقاس بالمال فقط، لأن المال لو كان هو المعيار الوحيد لأصبح المعلمون أغنى من الأباطرة. ولكن كم تبقى من هؤلاء المعلمين المتفانين في الجامعات والمدارس الثانوية والابتدائية عبر العالمين العربي والإسلامي؟
هذه الحال لا تبتعد كثيرًا عما يجري في حقول أخرى ينبغي أن تسمو «الإنسانية» والعواطف الآدمية فيها فوق الماديات، كما هي عليه الحال في الطب. إنه لمن المؤسف أنك، حتى في الدول الغربية المتقدمة، لا يمكن أن تأخذ موعدًا مع طبيب لفحصك أو لمعالجة مرض ألمّ بك، دون تأكد السكرتير أو السكرتيرة من أنك تدفع الأجور فلسًا فلسًا أو قرشًا قرشًا؛ وبعكسه فأنت لست بإنسان ولا تستحق المعاينة ولا المعالجة. جرب بنفسك واذهب إلى عيادة طبيب (قطاع خاص) كي يفحصك، وتعمد إعلام السكرتير بأنك لا تحمل ثمن المعاينة، ولاحظ كيف ستعامل: فإذا لم تطرد، فإنك ستجد من الاحتقار ونظرات الازدراء ما يكفي لتخجل من نفسك ومن مرضك كي تخرج صاغرًا، مطأطئ الرأس، مفضلًا الاستسلام للمرض على الاستهانة والإذلال. صحيح أن الأطباء كذلك، شأنهم شأن بعض المعلمين، يريدون أن يحصدوا الأرباح ويبنوا العمارات الشاهقة ويشتروا الأسهم، ولكن هذا لا يعني أنهم يزيلون عن كواهل أنفسهم عواطف الإنسانية التي أقسموا عليها حين تخرجهم من كلياتهم الطبية. أذكر أن عددًا ضئيلًا من أطباء بغداد في ستينيات القرن الزائل كانوا يتعمدون وضع يافطة تفيد بأن «الفحص مجانًا للفقراء». وقد كان هذا جزءًا من الإنسانية، إن لم يكن جزءًا من الترويج والإعلان: فكم من الفقراء يتجشمون عناء الذهاب إلى الطبيب للاعتراف أمامه بأنهم فقراء وغير قادرين على دفع أجور الفحص والأشعات والتحليلات المرضية. للمرء أن يتأكد أن الفقير الحقيقي ما كان ليغدوا فقيرًا لولا شعوره بعزة النفس والتكابر على العوز والإذلال والاستغلال، علمًا أن الفقر ليس بعيب. وهكذا تزداد وتتضاعف منظمات الأطباء الإنسانيين والأطباء بلا حدود، في ذات الوقت الذي يجد فيه الفقير نفسه مرميًا في زاوية مقفرة مظلمة مع آلامه التي لا تبارحه حتى يموت ملء جفونه. لذا قال الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه):«لو كان الفقر رجلًا لقتلته».
وعودة إلى المعلم، وبصفتي معلمًا، فقد تعلمت ممن علموني، ابتداًء من الكبار من أفراد أسرتي وانتهاء بمعلمي الابتدائية ومدرسي الثانوية وأساتذة الجامعة، أن التعليم الناجح حالة سائلة، نوع من أنواع الفنون والمهارات التي لا يمكن أن تقاس بالمال فقط، لأن التعليم الحقيقي أثمن من المال. المعلم يتقمص شخصية المرشد السلوكي والروحي والمثالي، إنها حالة هاجسية متواصلة تسمو بالمعلم فوق سواه من المواطنين: فهو معلم عندما يتكلم، وهو معلم عندما يجلس بنظام، وهو معلم حتى عندما يمشي في الشارع: التعليم الحق حالة نفسية واعتبارية متواصلة، لأن المعلم يدرك جيدًا وظيفته الاجتماعية حتى عندما يغفو على وسادته. إنه يدرك أن أنظار تلاميذه تلاحقه، وأنه ربما يرتكب سلوكًا خاطئًا فتنهار صورة المعلم المثالي في دواخل طلابه. هذا الهاجس التعليمي السامي هو الذي كان يمنع أساتذتنا من أن يتحولوا إلى أجهزة تسجيل، يكررون ذات الجمل ويكتبون ذات المعادلات الرياضية منذ الصباح حتى المساء، مقابل حفنة من الدولارات.
هذه المثالية تتناقض مع ما يحدث في عالم اليوم المتعامي بالمادية النفعية: فالمعلم يريد أن يقاس بعدد الشهادات التي يحملها، وبعدد السنين التي قضاها بين المدارس، وبعدد الكلمات التي يقولها في كل جلسة دراسية، وبعدد الدفاتر الامتحانية التي يصححها، والتي يدققها. وبذلك هو يضيع أنموذج المعلم الذي يعطي دون حساب، والذي لا يضيع فرصة دون أن يقدم بها شيئًا جديدًا لتلاميذه. هذا هو المعلم الذي تفتقده العديد من المؤسسات التعليمية في العالم اليوم، المعلم الذي يتتبع خطى المعلمين العظام عبر تاريخ البشرية، من الأنبياء والرسل إلى المرشدين والقادة الحقيقيين.
أ . د . محمد الدعمي ......أمريكا ( المعرفة العدد 160)