|
هذه الصفحة تمت طباعتها من موقع فضاء عنيزة www.fonaizah.com |
أدبيات > أسباب الأختلاف بين أهل النحو؟!
أسباب الأختلاف بين أهل النحو؟!30 June 2008. من قبل: المشرف |
|
كانت بلاد العراق موطنًا للنشاط العلمي وفيها نشأت العلوم العربية ، وكان مركز النشاط العلمي في البداية في مدينتي البصرة والكوفة ، وقد كانت لكلٍّ من المدينتين وجهة خاصة ورؤية متباينة مما أدى إلى اتساع الخلاف النحوي بين هاتين المدينتين ، وكان لهذا الخلاف أسبابه من حيث الموقع ، وميول السكان وطباعهم ، والهوى السياسي، ودرجة الصفاء في العروبة ، واختلاف منهجيهما في البحث ، وغيرها من الأسباب والعوامل. نجد أن البصرة تقع على طرف البادية في مكان قريب من العروبة الصافية، ولم يمتد إليها التأثير الأجنبي الذي يطفئ جذوة العروبة، وهناك عامل جغرافي آخر كان له أثر في البصرة وهو قرب سوق المربد الشهير ، وكان هذا السوق مجتمع الأعراب ، فيلتقي فيه الحاضر مع البادي، ويتسع المجال للقاء العلماء البصريين بين أعراب البادية وللأخذ منهم، وأما الكوفة فكانت أبعد عن جزيرة العرب من البصرة وقريبة من النفوذ الأجنبي ، ولهذا أصبحت هذه المدرسة أقرب إلى اللين والخضوع والتساهل([1])، وكان نتيجة ذلك أن تميزت البصرة بالمحافظة على المأثور ، وبسلامة ألسنة أهلها ، وأخذوا جانب الشدة والحزم في أحكامهم ، في حين أن الكوفيين قد أسرع الفساد يدب في ألسنتهم فأخذوا بالسهولة والاعتماد على الرواية ، والميل إلى الشاذ متأصلاً فيهم([2]). مما سبق يتبين لنا أن أهل البصرة يتميزون بالغلظة والجفوة بحكم طبيعة العرب وكان نتيجة ذلك أنهم يتحرجون من قبول كل ما يُسمَع ، ويُصَيِّرُون كل ما يخرج عن قواعدهم ضمن الضرورات أو الشاذ الذي لا يُقَاس عليه ، وعلى النقيض كان أهل الكوفة الذين أخذوا من لين الحاضرة ومرونتها الشيء الكثير ، وهذا الذي جعلهم يتساهلون في أحكامهم ويقعدون القواعد في كل ما يسمعونه من الأعراب ، محتجين أن هذا أعرابي ولاحق لنا في رده ورفضه. بعد مقتل عثمان تولى الخلافة علي بن أبي طالب وسط نزاع وفتنة ، لذا خرج عليه أصحاب الجمل مطالبين بالاقتصاص من قتلة عثمان وقد خرجوا من البصرة ، وحالفهم أهلها ، وخرج علي إليهم ، وحالفه أهل الكوفة فانتصر عليهم([3]). ومن هذه الحادثة اختلف الهوى السياسي بين المدينتين ، فالبصرة عثمانية والكوفة علوية ، وكان هذا الاختلاف في الانحياز ناتج عن طبيعة المدينتين ؛ لأن الكوفة أهل طاعة وخضوع ، بعكس أهل البصرة المشتهرين بالعصيان والشقاق والعصبية ، وازداد هذا الاختلاف حدة بتعاقب الأيام([4])، ولذا حظيت البصرة في عهد الأمويين حظوة كبرى ، ثم لما سقطت الدولة الأموية قامت على أكتافها الدولة العباسية وازدادت حظوظ الكوفيين فيها ، إذْ الدولة العباسية نشأة بين ظهراني أسوار الكوفة وشايع أهلها العباسيين ، وكان لذلك أثر ظاهر في مكافأة الكوفيين وتقريبهم لهم([5]). ويقول الشيخ محمد الطنطاوي :" الحق أنَّ السياسة هي التي عاضدت الكوفيين ، وأوجدت منهم رجالاً كونوا مذهبًا ناضل المذهب البصري ، ولولاها لما ثبتوا أمام البصريين في مساجلاتهم ، بل ولما قهروهم في مواطن كثيرة ظلمًا وعدوانًا([6]). لقد كان لهذه العصبية السياسية أثر في احتدام النزاع بين البصريين والكوفيين، غير أنه ينبغي ألَّا نبالغ في ذلك فندعي أن هذا السبب هو الذي كوَّن منهج المدرستين ، ولكنه سبب مهم من أسباب الاختلاف. كان أهل البصرة أعرق في الفصاحة ، لأنهم من قبائل أصفى لغة ، وفوق هذا كانوا على صلة بالبادية ، ولذا كان المعين الذي استمد منه البصريون اللغة العربية معينًا صافيًا، وعلى النقيض كان أهل الكوفة ، فهم أقل فصاحة ، واشتغالهم بالنحو كان متأخرًا عن اشتغال البصريين.
([2]) ينظر : الخلاف التصريفي وأثره الدلالي في القرآن الكريم : 3 ([3]) عصر الخلافة الراشدة ، للدكتور أكرم ضياء العمري . ط1 .العبيكان. الرياض . 1419هـ : 46.
([4]) ينظر: نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة ، للشيخ محمد الطنطاوي . تعليق: عبدالعظيم الشناوي وزميله . ط2) : 106-107.
([5]) ينظر : الخلاف التصريفي وأثره الدلالي في القرآن الكريم : 35.
([6]) نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة . ط2 : 116.
([7]) ينظر : ثمرة الخلاف بين النحويين والبصريين ، للدكتور محمد حسنين صبرة : 5-6-7-8-9-12.
([8]) ينظر : نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة : 92.
|