| |
1- استعملت اللغة العربية لفظ النقد لمعان ٍ مختلفة : الأول : تمييز الجيد من الردىء ، قالوا : نقدت الدراهم وانتقدتها : أخرجت منها الزيف وميزت جيدها من رديئها، ومنه : التـنقاد والانتقاد ، وهو تمييز الدراهم وإخراج الزائف منها .
والثاني : العيب والانتقاص . قالت العرب : نقدته الحية إذا لدغته ، ونقدت رأسه بأصبعي إذا ضربته , ونقدت الجوزة أنقدها إذا ضربتها . وفي حديث أبي الدرداء : إن نقدت الناس نقدوك ، ومعناه إن عبتهم وجرحتهم قابلوك بمثل صنيعك .
2- واستعمل الأدباء العرب كلمة النقد بالاستعمالين لنقد الكلام شعره ونثره على السواء ، وبدأ ظهور ذلك في القرن الثالث الهجري على وجه التقريب ، ويقول البحتري عن أبي العباس ثعلب : ما رأيته ناقدا للشعر ، ولا مميزا للألفاظ ، ورد عليه آخر فقال : أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى ، ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه . وألّف قـُدامة كتابيه " نقد الشعر " , و " نقد النثر " . وألّف ابن رشيق " العمدة في صناعة الشعر ونقده " .
3- وسارالنقاد العرب في نقدهم على كل من الاستعمالين : (أ) استعملوه في القديم والحديث على معنى التحليل والشرح والتمييز والحكم , فالنقد عندهم دراسة الأشياء وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها المشابهة لها ، أوالمقابلة ، ثم الحكم عليها ببيان قيمتها ودرجتها ، وأكثر الذين كتبوا في النقد العربي مشوا على هذا المعنى .
(ب) واستعملوه كذلك بمعنى العيب والمؤاخذة والتَّخطئة ، فألـّف المرزباني " الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء " ، ويريد بالعلماء النقاد . ولايزال النقد مستعملا بهذا المعنى حتى اليوم عند بعض النقاد المعاصرين ، ويقابله التقريظ ، فهو المدح والإعجاب ، من قرظ الجلد إذا دبغه ، وذلك إنما يكون للتحسين والتزيين .
4- ويعرّف المحدثون النقد – بناء على المعنى الأول في الاستعمال اللغوي – فيقولون : إنه التقدير الصحيح لأي أثر فني ، وبيان قيمته في ذاته ودرجته بالنسبة إلى سواه . فكلمة النقد تعني في مفهومها الدقيق " الحـُكم " ، وهو مفهوم نلحظه في كل استعمالات الكلمة حتى في أشدها عموما . والنقد الأدبي في أدق معانيه هو فن دراسة الأساليب وتمييزها ، على أن نفهم لفظة الأسلوب بمعناها الواسع ، وهو منحى الكاتب العالم وطريقته في التأليف والتعبير والتفكير والإحساس على السواء .
فللنقد مهمتان مختلفتان : مهمة التفسير ، ومهمة الحكم ، أي إصدار الأحكام الأدبية في قضايا الأدب ومشكلاته .
وجملة الأمر أن النقد الأدبي هو الحـُكم الذي تصدره على الشعر والنثر ، وأنه عند المحدثين تقدير النص الأدبي تقديرا صحيحا ، وبيان قيمته العامة ، والموازنة بينها وبين ما يشابهها من الآثار .. وأصول النقد قراءة وفهم وتفسير وحكم ، والغرض منه دراسة الأساليب أو الكـُتـَّاب أو الآراء والأفكار .
5- ومن الضروري أن نعرف النقد بدءً – منذ استمع الإنسان إلى الأدب شعرا ونثرا – بأحكام عامة مقتضبة ، موجزة , لا تحمل تعليلا ، ولا تستصحب أسبابها ، شأن الأحكام العامة التي يرشد إليها الذوق ، ويكون للفطرة الأدبية مدخل فيها ، دون أن تتأثر بنزعة علمية ، أو منهج عقلي ، أو أسس موضوعة .
كذلك كان شأنه في الأدب العربي ، في العصر الجاهلي ، حكم دون تعليل ، لأن أحكام الذوق والفطرة التي لم تسترشد بمناهج أو أصول موضوعة لابد أن تكون كذلك .. ثم أخذ يرتقي العقل ، وينضج الحس الأدبي ، ويرتفع مستوى الملكات ، وبدأ العقل لا يقنع بأن يرسل الحكم إرسالا دون أن يوضحه توضيحا ، فأخذ يومىء من بعيد على سبيل الرمز والتلويح إلى السبب . وبعد أن بدأ تدوين العلوم والثقافات ، وأخذ العقل العربي يضع أصولا للبيان والنقد ، بدات أحكام النقد تصطبغ بصبغة علمية موضوعية ، فالحـُكم بجانبه السبب والعلة ، والنقد يحمل معه طابع التوجيه والتعليل للوصول إلى أحكام موضوعية .
فالنقد في الآداب العربية هو " شرح الشعر ، وتقرير طريقة الشعر الجاهلي لتكون منهجا للشعراء ، لا حركة العقول والأفكار وأكبر مظاهره عندهم هو علم البلاغة " .
وهكذا تجد أن أصول النقد هي : قراءة ، وفهم ، وتفسير , وحُـكم . وأن الغرض منه كما يقول بعض النقاد : دراسة الأساليب أو نفوس الكـُتـَّاب ، أو دراسة الآراء والأفكار .
على أن النقد ذو صلة وثيقة بالذوق ، وليس هو مطلق الذوق ، بل ذوق ذوي الثقافات الأدبية العالية . والنقد فن وليس بعلم ، فليس له قاعدة ثابتة[/right]
|
|