هاشم الرفاعي شاعر مصري التحق بمعهد الزقازيق الديني التابع للأزهر الشريف سنة 1947م وحصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية في عام 1951م، ثم أكمل دراسته في هذا المعهد وحصل على الشهادة الثانوية سنة 1956م ثم التحق بكلية دار العلوم وتوفي قبل أن يتخرج سنة 1959م،هذه النبذة المختصرة للشاعر هي توطئة لقراءة في قصيدة تعتبر من عيون الشعر العربي لما فيها من صور شعرية فاخرة استطاع الشاعر أن يجعل القارئ لأحداثها يتماها مع بطلها والذي ينتظر الجلاد الذي تسمع خطواته في أروقة السجن قادما ليقتنص فريسته حين ينبلج الصباح ليبدأ الليل الطويل المظلم لضحية ليس ذنبها سوى أنها تقاوم المحتل لأرضها باحثة عن الحرية التي سلبت منها عنوة لقد استطاع هاشم الرفاعي في مهرجان الشعر الأول الذي عقد بالعاصمة السورية دمشق سنة 1959م
أن يحصد الجائزة الأولى بقصيدته الرائعة ( رسالة في ليلة التنفيذ ) والتي صوّر فيها محكوماً بالإعدام يخاطب أباه في أخر ليلة من عمره قبل تنفيذ الحكم.
ففي مطلع القصيدة يوجه البطل خطابه لأبيه والذي ليس بالضرورة أنه يمثل الوالد فقد يكون الشاعر يريد به كل ما يمثل معنا للأبوة مجازا ؟! فهو يقول في أول الأبيات
أبتاه ماذا قد يخط بناني = والحبل و الجلاد ينتظران
هذا الكتاب إليك من زنزانة = مقرورة صخرية الجدران
لم تبق إلا ليلة أحيا بها = وأحس أن ظلامها أكفاني
الليل من حولي هدوء قاتل = والذكريات تمور في وجداني
ينهج الشاعر هاشم الرفاعي نهج المدرسة الإحيائية حيث القوة في مطلع القصيدة وهو عندما يصف الزنزانة بأنها محفورة في الصخر إنما يعني قسوتها وأن لا مجال للخلوص منها , وتزداد الدهشة بهذا النص عندما يخبرنا البطل بأنه ميت منذ دخوله في هذه الزنزانة المقرورة فما فائدة الحياة في ظلام دامس لا صبح له . وعندما يأتي النور تكون أولى المشاهد جلاد وحبل بدلا من أن تكون وجه أبي وأمي ؟!
ويستمر النص بذات القوة التي بدأ بها ويعود الشاعر لينكفئ إلى ذاته ليفاجئنا بحالتها التي تشع نورا داخليا يملؤها الإيمان والقرآن, ليخبرنا بأن الوهن الذي قد يصل إلى الجسد ليس بالضرورة أن يجد له طريقا للروح التي تتعلق ببارئها فينفد لها النور ولو من خلال الصخر؟!
ويهدني ألمي فانشد راحتي =في بضع آيات من القران
والنفس بين جوانحي شفافة =دب الخشوع بها فهز كياني
قد عشت أومن بالإله ولم أذق= إلا أخيرا لذة الإيمان
في البيتين السابقين يمنحنا البطل جرعة من التفاؤل كون النفس مضيئة رغم الحال المظلم الذي يحيط بها ثم فجأة يعود بنا إلى السوداوية التي لا بد أن تصطبغ بها مثل هذه النصوص التي تحكي مأساوية في أحداثها عندما يصف لنا السجان الذي قد يكون المحتل الغاصب هو المعني هنا ؟!
والصمت يقطعه رنين سلاسل= عبثت بهن أصابع السجان
ما بين آونة تمر وأختها = يرنو إلى بمقلتي شيـــطان
من كوة بالباب يرقب صيده= ويعود في أمن إلى الدوران
سجان وشيطان كلمتان تحملان نفس الجرس الصوتي وتحملان في ثناياهما أبشع ما قد يمر به إنسان فالشيطان هو سجن للنفس بلا صوت للسلاسل التي يسمع رنينها كل فينة وأخرى يدوي في ظل الصمت القاتل الذي يلون الظلام لتزداد الغربة بصمت وظلام وشيطان يجلب الموت في اليوم ألف مرة ليقول لنا لسان الحال متى ينقضي هذا العذاب كيف بالموت أتنفسه وهو يأبى الحضور ليمنح هذه النفس المطمئنة فرجا أضناها انتظاره ؟!
ولكن ما الذي يحدث في الأبيات التالية ؟ يقول هاشم الرفاعي على لسان بطله .
ما ضرني لو قد سكت وكلما =غلب الأسى بالغت في الكتمان
هذا دمى سيسيل مطفئا = ما ثار في جنبي من نيران
وفؤادي ألموار في نبضاته= سيكف من غده عن الخفقان
والظلم باق لن يحطم قيده = موتى ولن يودى به قربان
ويسير ركب البغي ليس يضيره = شاة إذا اجتثت من القطعان
إنها النفس البشرية وما يعتريها من تقلبات وضعف هو من السجايا التي طبعت عليها فها هو البطل يسقط من علياءه ليتشبث بالحياة ويتنازل عن مبادئه السامية ليطغى الهم الفردي والذاتية التي ترى في نجاتها أولوية لا يمكن التنازل عنها حتى لو كانت نتائجها سلبا على وطن برمته ؟!
ولكن الشاعر الفذ هاشم الرفاعي لا يريد لبطله أن يقع في هذا الفخ فيخسر التعاطف والتماهي الذي نمى بينه وبين المتلقي فيعيده بسرعة إلى نفس الخط حيث التضحية والفداء .
فهاهو يستدرك ليقول :
هذا حديث النفس حين تشف عن = بشريتي وتمور بعد ثوان
وتقول لي إن الحياة لغاية = أسمى من التصفيق للطغيان
أنفاسك الحرى وان هي أخمدت = ستظل تغمر أفقهم بدخان
وجروح جسمك وهو تحت سياطهم = قسمات صبح يتقيه الجاني
في البيت الأخير من هذا المقطع صورة قد تكون من أبدع ما يمكن للمرء أن يقرأه في نص من النصوص ! فالحرية لا يمكن أن تتأتى بالمجان ولكن الثمن لابد أن يكون باهظا وكلما ارتفع الثمن وتضاعف عدد من يدفعون هذا الثمن فثق بأن الصبح قادم !
ثم هاهو ذا يوجه رسالته ليس لأبيه هذه المرة بل هي لكل أب ولكل شاب ولكل امرأة في الوطن حيث يخبرهم بأن الفجر قادم ولن يكون هذا الفجر ببعيد فهو يرى تباشيره ولو كانت تحت الثرى . فالبركان لا يبدأ إلا بحمم قليلة ثم لا يلبث إلا أن يكون جبلا ! والمطر يبدأ بقطرات فيصبح بحرا ؟!
إن احتدام النار في جوف الثرى = أمر يثير حفيظة البركان
وتتابع القطرات ينزل بعده = سيل يليه تدفق الطوفان
فيموج يقتلع الطغاة مزمجرا= أقوى من الجبروت والسلطان
وفي الرمق الأخير من القصة يعزي بطلنا نفسه مفتخرا بأن موته كان في شأن عظيم ولأمر جليل وعلى يد الغاصب, فلتطيب نفسك يا أبي فموتي موت كرامة لا موت ذلة ؟!
ليكن عزاؤك أن هذا الحبل ما =صنعته في هذى الربوع يدان
أنا لا أريدك أن تعيش محطما =في زحمة الآلام والأشجان
إن ابنك المصفود في أغلاله =قد سيق نحو الموت غير مدان
وفي نهاية المطاف لا ينسى البطل ذلك الحضن الدافئ الذي أرضعه الحب والإباء إنها الأم التي تحب وتعطف فيرسل لها طالبا صفحها ورضاها وهذا هو ديدن الأبناء الأوفياء ؟!
وإذا سمعت نشيج أمي في الدجى= تبكى شبابا ضاع في الريعان
وتكتم الحسرات في أعماقها = ألما تواريه عن الجيران
فاطلب إليها الصفح عنى إنني = لا ابتغى منها سوى الغفران
قراءة بقلم المشرف