شارع مظلم تحس بوحشته قبل ولوجه .. لا يسمع قدومك فيه إلا غربان تحط رحالها فوق فانوسه المكسور .. يشبه القبر حتى في ساكنيه .. فكلهم موتى وإن نبضت قلوب الأخيرين .. في جوانب المكان أكوام غبار زحفت قسرا إلى حيهم فعجز فقرهم عن تنظيفه .. وعلى أرضهم المتهالكة حكايات لأجيال تحت خط الفقر تحلم بتجاوزه دون جدوى .. إلا أنهم يصرون على الصمود وسط كل مترفات الحياة التي حرموا منها .. يعيشون ظلمة الليل وظلمة مآويهم المخيفة .. تلك التي لا يلجأ إليها حتى منتهكو الحُرَم والفارين من العدالة ..
تبقى الحياة في حيهم جامدة كجمود الصخر وسط عواصف الصيف الرملية .. وحين تدق ساعة الفجر يهتز سكون المكان بصرير أحد أبوابه .. ومن خلف ذلك الباب تخرج طفلة غطت أسباب الجوع تورد وجنتيها ودفنت ملامح الجمال فيها .. تقود كهلا قارب الثمانين .. لحيته بيضاء يستند إلى عصا غليظة .. يعبرون رغم الوحشة حيث تجذبهم مصائرهم إما إلى قوت يشد عودهم .. أو ألف طريقة للموت تريح عواء أجوافهم .. نظرت سماح إلى والدها بانكسار بجفنها الذي يداعبه النوم ويثقل الجوى حركات رمشه .. سألته عن وجهتهم ومخطط رحلتهم هذا اليوم .. وبحنان لا يملكه إلا الفقراء حيث لا ملهيات لهم عن حب أبنائهم أجاب:
- ماذا تشتهين يا صغيرتي ؟؟ ..
سؤال لا يقدر على تنفيذ جوابه .. وإن سَهُل الرد لكن عاطفته تسللت من لسانه .. ليكبر الأب في عين فاتنته الصغيرة .. لكنها تعرف ما حوى القدر حيث أجابت :
- أي شيء أبتاه.
- اشتم رائحة خبز هناك في الزاوية .. هكذا قالها وقرر العبور رغم المركبات المتناثرة .. وعوده الذي داهمه المرض .. لم يلتفت إلى نداءات ابنته وتحذيراتها حيث لم يسمع إلا نداء الجوع في بطنها ..
وهي في الطرف الآخر تثنيه بصيحات لم يصغ لها حيث سكت جوعها ليصحو هاجس الخوف على كهلها الذي ترى كل دنياها فيه .. وحين أشار محذرا إياها من لحاقه استسلمت وأسندت ظهرها إلى عمود الأنارة .. وظلت تراقب ..
حمل شيئا من الأرغفة المرصوصة في المخبز .. ورسم ابتسامة المنتصر وهم بالعودة .. وفي الطريق شاب بعبث المترفين أولئك الذين لم يسمعوا نداءات بطونهم يوما .. يقود مركبته بتهور عجيب .. ساقه القدر إلى هناك حيث الكهل ببقايا عمره ..
صوت ارتطام وتطاير للأرغفة .. وانتهى الكهل ممدا على الطريق العام بابتسامته المرسومة .. وعينيه الممتلئتان بالرضا .. والتفت يبحث عن سماح المسكينة ..
جاءت تركض وكل قهر الحياة داخلها .. مفجوعة بروح رثة وجسم هزيل .. دموعها تنهمر بحرارة المفجوع .. تجمع لديها قهر الثكالى والأرامل مقدما في عمرها الصغير ..
انحنت على جسده تردد .. أبي .. أبي .. أبي .. كرر لها الابتسامة وناولها رغيف تبقى في يده لُطخ بدمائه .. وأرسل حنانه عنوانا لكل الجفاة ..
- أطعمي إخوتك يا صغيرتي
يوسف عقيل ...الوطن العدد2873
.