كيف نستطيع أن نصنع مجتمعاً قارئاً؟
محباً للعلم والتعلم ومندفعاً نحو القراءة والكتاب؟
لا شك أن للقراءة أهمية عظيمة فى الحياة ، أهمية تتوازى مع أهمية الطعام والشراب ، فكما أن الطعام والشراب غذاء الجسد ، فإن القراءة غذاء للعقل ، ومن اهتم ببناء جسده دون عقله فإنه بذلك قد قبل بمساواة بينه وبين الحيوان ، ولذلك وجب على كل إنسان أن ينمى عقله الذى وهبه له الخالق سبحانه ، وأن يستفيد به فى تحقيق سعادته في الدنيا ، والفوز برضوان الله عز وجل فى الآخرة .
القراءة قضية من ؟
هي قضية الجميع، بدءاً من الأسرة التي تتحمل مسؤولية رعاية الميول وتنمية الاتجاهات نحو القراءة منذ الصغر، مروراً بالمدرسة التي تتولى مسؤولية تعليم القراءة، وتعزيز حبها في نفوس الناشئة، ثم المجتمع بجميع مؤسساته التي تتحمل مسؤولية تشجيع القراءة وتيسير الحصول على مصادرها، وانتهاء بأعلى سلطة في الدولة، ومسؤوليتها في رعاية برامج ومشروعات القراءة بوصفها عاملاً مهماً من عوامل رقي الوطن، ورفعته، وعلو شأنه في أوساط الأمم الأخرى.
وتقدم الأمم مرهون بمدى قراءة أفرادها، وقد سأل فولتير مرة : من يقود الأمم ؟ قال : الذين يقرؤون ويكتبون، ولم يقل : الذين يعرفون القراءة أو الكتابة.
لم يصل مستوى القراءة والوعي القرائي في الدول المتقدمة إلى ما وصل إليه إلا لما شغلت اهتمام الجميع . وقد ترجم هذا الاهتمام في مظاهر عدة أبرزها إنشاء الجمعيات العلمية المتخصصة في القراءة والتي من أبرز أهدافها نشر الوعي القرائي في أوساط الناس، وتنظيم الأنشطة والبرامج والمحاضرات والندوات التي تخدم تلك الأهداف ..
إننا أمة لا تقرأ!
إن ما يتم ترجمته من عدة لغات إلى اللغة الإسبانية فقط أضعاف ما يتم ترجمته في الوطن العربي بكامله ويصدر لديهم من الكتب ضعف ما يصدر لدينا عدة مرات وتجد هناك أعداداً كبيرة في أوروبا وأمريكا وشرق آسيا تقتني هذه الكتب بشكل كبير حيث تنفذ ملايين النسخ من الكتاب الواحد من الأسواق في وقت وجيز وقد يحتاج إلى عدة طبعات ليواجه الطلب . بينما لدينا تتم طباعة آلاف النسخ من أي كتاب ويبقى في الأسواق مدة طويلة قبل أن ينفد وهذا يعود لابتعاد كثير من فئات المجتمع عن القراءة ومتابعة كل ما هو جديد في عالم اليوم .
الأسباب المؤدية للتخلي عن الكتاب والعزوف الجماعيعنه:
- غياب القدوة داخل المنزل فكثير من الآباء والأمهات في مجتمعنا بالذاتلا يعطون الكتاب الاهتمام الكافي ولم يسبق لكثير من الأبناء أن شاهد أحد والديه ممسكاً بكتاب وقليلاً ما يحاول أحد الآباء أن يوفر كتباً مناسبة لأبنائه وخاصة في سن مبكر حيث يتم غرس حب القراءة في هذا السن بشكل كبير، وسوف يتأثرون إيجابياً إذا تعودوا على رؤية أحد والديهم وهو يقرأ ويعتني بالكتب حيث سيقوم بتقليده ومن ثم يصبح حب الكتاب عادة يتعود عليها الأبناء.
- غياب المكتبة المتحركة حيث أن كثيراًمنا يهتم بجميع مرافق المنزل ويتجاهل مسألة توفير مكتبة منزلية.
- إغفال أهمية التوجيه المستمر من قبل الآباء والمعلمين للأبناء بضرورة الإطلاع وأهميته وحثهم وتشجيعهم على ارتياد المكتبات وأن الكتاب وسيلة مهمة للتحصيل العلمي والثقافي وذو أهمية كبرى في حياة الشخص حتى بعد تركه مقاعد الدراسة وعدم وجود الحافز المعنوي وخاصة لصغار السن.
- وجود المكتبات العامة بمنأى عن الأحياء السكنية في غالب المدن حيث إن الآباء ليس لديهم الاستعداد الدائم لتوصيل أبنائهم إلى المكتبة.
- وجود وسائل الترفيه المتعددة والقنوات الفضائية التي أصبحت في كثير من المنازل حيث أصبح الأبناء يقضون جل وقتهم في متابعتها .
الأفكار والحلول المقترحة لعلاجظاهرة ضعف القراءة:
- توعية الآباء بدورهم الهام جداً في تربية الأبناء على حب القراءة والإطلاع وكونهم القدوة الحسنة ودور البيت المهم حيث إنه البنية الأساسية في المجتمع فإذا كان دوره إيجابياً وفعالاً انعكس ذلك على المجتمع بصفة عامة.
- إيجاد المكتبة المنزلية أمر ضروري واعتبارها من الأولويات المهمة في كل منزل حيثتعد المرجع الأول لكل طالب بحيث تتضمن مجموعة متعددة من الكتب ابتداء من القصص المخصصة للأطفال وانتهاء بأمهات الكتب.
- فتح فروع من المكتبة العامة في كلالأحياء لتكون قريبة من سكان الحي بحيث يسهل التردد عليها ولتكون جدواها أكبر من كونها في موقع واحد بعيداً.
- أن يوضع في الاعتبار أن أي مخطط جديد لابد منإيجاد أرض مخصصة للمكتبة أسوة بالحدائق والمراكز التجارية فهي في الواقع أهم بكثير واعتبارها شرطاً إلزامياً للموافقة على أي مخطط يتم إنشاؤه.
- إيجاد مناهجلتعليم الطالب وإرشاده إلى كيفية الرجوع للمصادر وكيفية استخدامها، وهذا الأمر ربما يكون متاحاً نوعا ًما حالياً من خلال مادة المكتبة والبحث، ولكن في ظل الظروف التعليمية التي نعيشها الآن في مدارسنا، فالأمر ربما يكون صعباً للغاية نظراً للزيادة في عدد المواد المقررة، ونظراً لاعتمادها بصورة كبيرة على عملية التلقين أثناء التدريس، وعلى عملية الحفظ عند المراجعة، وهذا أسلوب خاطئ، فالمدرسة بإمكانها أن تعمل على تغيير اتجاهات الطلبة والانتقال بهم من حالة العزوف عن القراءة إلى حالة الولع بها، وينبغي للمدرسة أن تقوم ببعض ذلك الدور من خلال إيجاد حصة القراءة الحرة التي يختار الطالب أثناءها ما يريد قراءته من مواد بتوجيه من أمين المكتبة، وكذلك باستخدام أسلوب القصة خصوصاً في المرحلة الابتدائية، ولن يكون ذلك إلا بوقفة شجاعة من المسئولين لبدء إصلاح السياسات التعليمية في وطننا العربي والإسلامي.
- توفر الكتاب بسعر مناسب فالقارئ يحصلعلى الكتاب ويوفر عليه الانطلاق إلى المكتبة وطلاب الجامعات يجدون في مكتبات الجامعة والإعارة ما يسد حاجاتهم ويغنيهم عن المكتبات العامة.
تأصيل عادة القراءة في أطفالنا قبل المدرسة:
هناك مفهوم سائد لكنه خاطئ مؤداه أن تنمية حب القراءة عند الأطفال وربطهم بالكتاب هي مهمة المدرسة وحدها، ويجب الانتظار إلى حين وصول الطفل سن السادسة ودخوله المدرسة ومعرفته للحروف، ومن ثم يتعلم القراءة ثم يرتبط بالكتاب .. قد يستغرب البعض ما عرضه الطبيب ميخائيل ميقارلادو في مجلة فوكس أون هيلث في أحد أعدادها تحت عنوان " كيف تربط أبناءك بالكتاب " والذي أشار فيه إلى أن تعليم الأطفال للقراءة يبدأ منذ بلوغ الطفل سن 6 أشهر ..! وبدأ الدكتور ميقالاردو مقاله بالسؤال التالي : هل تريد أن تربي قراء جيدين ؟ إذن عليك أولاً أن تتعرف على مهارات السرد القصصي للأطفال فأسلوب السرد القصصي والقراءة للأطفال ومع الأطفال منذ سن مبكرة له أثر بالغ الفعالية على نمو أطفالك الذهني والوجداني.
إن الطريقة التي تقرأ بها لأطفالك هي أهم عامل مؤثر على ربطهم بالكتاب، وهي أهم حتى من الكمية التي تقرؤها لهم. فمن المهم أن تشجع طفلك على المشاركة في أثناء القراءة، وإلا فإن استفادته من القراءة ستكون محدودة، وستكون شبه منعدمة إذا كان مستمعاً ساكناً. .
نورة السالم ....عنيزة