يستخدم علماء الاجتماع مفهوم التنشئة الاجتماعية Socialization للإشارة إلى العمليات التي يتم من خلالها إعداد الطفل ليأخذ مكانه في الجماعة التي ولد فيها، ويقصد بها العمليات التي يتعلم من خلالها عادات الجماعة وفهمها والتكيف معها.
كما يعرفها البعض على أنها عملية تعلم وتعليم وتربية، تقوم على التفاعل الاجتماعي، وتهدف إلى إكساب الفرد طفلاً فمراهقاً فراشداً فشيخاً سلوكاً ومعايير واتجاهات مناسبة لأدوار اجتماعية معينة تمكنه من مسايرة جماعته، والتوافق الاجتماعي معها، وتكسبه الطابع الاجتماعي، وتيسر له الاندماج في الحياة الاجتماعية. إذ أنها عملية تشكيل السلوك الاجتماعي للفرد ، وهي عملية إدخال ثقافة المجتمع في بناء الشخصية.
ومن المعلوم أن تلك العملية التربوية لا تتم في البيت وحده أو في المدرسة وحدها، ولكنها تتم في إطار اجتماعي متكامل، وداخل هذا الإطار التربوي الاجتماعي تشكل الأسرة بعداً حيويا أساسيا في العملية التربوية، وسواء أردنا أم لم نرد فإن له تأثيره وفعله المباشر إن إيجاباً أو سلباً.
ومن ثم فهناك ضرورة قصوى لتكامل العمل بين كلا من الأسرة والمدرسة لضمان التنشئة السليمة والفعالة للأطفال حتى لا نقع في مأزق أن ما تبينه المدرسة تهدمه الأسرة أو العكس.
ولسوء الحظ الشديد فإن ما تهدمه المدرسة العربية في شخصية المتعلم نتيجة سلطوية العلاقات بين أطراف العملية التربوية داخلها - كما تؤكد على ذلك الأبحاث والواقع المعاش - تؤازره وتعضده الأسرة من خلال شيوع ذات العلاقات التسلطية داخلها.
فواقعنا الاجتماعي يعكس حقيقة مؤلمة وهي أن الأسرة العربية يسودها القهر والاستبداد الواضح، والتدهور في العلاقات الإنسانية حيال عملية التنشئة الاجتماعية لأبنائها.
وفي ظل هذه التنشئة التسلطية السائدة في الأسرة يكون هدفُنا - المتعلم - قد نشأ في ظل تواصل يتم عمودياً بينه وبين والديه، آخذاً هذا التواصل من فوق (السلطة/ الأب) إلى تحت (الطفل) في طابع للأوامر والتهديد والتلقين والمنع والتحذير والتخويف والتوبيخ، وقد يقترن هذا بالعقاب والحرمان والغضب.
أما التواصل من تحت إلى فوق فيأخذ طابع الترجي والإصغاء والانصياع والاستعلام والترديد والتجاوب، ويقترن ذلك بالبكاء والانسحاب والتحجّج والمكر والمسايرة والقلق والخوف.
بمعنى أن المتعلم ينشأ في أجواء أسرية لا ترى له حقوق إنسانية، فهو ليس أكثر من امتداد لأبويه، وعليه أن يرضي رغبتهم في أن يُطاعوا، ولذا يجد الطفل نفسه مقصيّاً عن إبداء رأيه في المجالات التي تخصّ، العائلة متعرضاً لأشكال متعددة من الممارسات الحاطّة من كرامته الإنسانية، محروماً من التصرف والاختيار، يُنظر له على أنه شيء مما تقع عليه سلطات والديه، الذين يعدونه ليكون مؤدباً، والأدب في عرفنا هو طاعة الكبار، وامتثال أوامرهم، وكل مظاهر النقاش أو الاعتراض أو الاحتجاج أو الخلاف هي دلائل على قلة الأدب، يجب ردعها وإجهاضها بشتى الوسائل.
وكل ذلك بالطبع لغياب ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان عن المجتمع والمدرسة، ومن ثم عند الآباء، فتكون النتيجة النهائية لعلاقات الاستبداد تلك هي تدجين الأطفال وتشرّبهم الدرس الأهم في نمط العلاقات الاجتماعية السائدة لدينا، ألا وهو نموذج (الغطرسة/ التذلل) أو (السيطرة/ الخضوع). فكل غطرسة أو سيطرة من السلطة يجب أن تقابل بخضوع وتذلل ممن هم تحتها، أما قيم الكرامة والمساواة والعدل والحرية بجميع معانيها ورغم رسوخها في الثقافة الإسلامية، فهي غائبة، جد غائبة عن البنية الثقافية لمعظمنا.
وتُسَلِّم الأسر أطفالها المدجّنين هؤلاء إلى المدرسة ليضاف إلى تسلط الأسرة تسلط المدرسة، ومع النضج النسبي للأطفال في مراحل التعليم المتقدمة يضاف للتسلط قوة جديدة، وهي إدراك المتعلّم لضيق الهامش الديمقراطي الذي يعايشه المجتمع ككل، فيكون هذا المتعلّم الضحيّة واقعاً تحت محصلة عدة قوى تسلطية تختلف في الدرجة، لكنها أبداً لا تختلف في النوع وكلها تضغط عليه في اتجاه واحد ليجد نفسه في النهاية مقصيا عن كفالة تمتعه بحقوقه الإنسانية.
وإن كان هذا هو نمط التربية الذي لا يفقه غيره جُل الآباء والمعلمين. فبالله؛ لا تربوا أولادكم أيها الآباء، ولا تربوا طلابكم أيها المعلمين، يرحمنا ويرحمكم الله!.
محمد عبد الرازق القمحاوي ... موقع المربي