
حمد العشريني يقف أمام المرآة زاهياً بنفسه، يرتب بدلته العسكرية التي حلم بارتدائها منذ نعومة أظفاره، هو الآن الضابط حمد كما أراد هو، وأرادته من تتراءى له صورتها في المرآة وهي تحتضنه وتهمس له بكلماتها التي ما فتئت تذكره بها منذ أن بدأت تصحو من هول فجيعتها بفقد أبيه الذي رحل وهو بين يديها مرتدياً نفس البدلة.
يعلم حمد أنها أرادت أن تراه مرة أخرى!، وهي تستحق ذلك، فنقش تلك الكلمات في ذاكرته وأصبحت له وقوداً إضافياً يدفعه لتحقيق حلمها وحلمه، كان وقوده هو كامناً في صدره، يشعر به حمد يتأجج عند كل صحيفة يقرأها وفي كل نشرة أخبار يشاهدها.
يتفطن حمد لضلوعه، يتحسسها من تحت بدلته، يستغرب وجودها رغم كل الأدخنة التي تصاعدت منها. لم ينم حمد تلك الليلة رغم كل التعب الذي يشعر به. كان يريد أن يسحب ستارة الظلام ليفتح نوافذ الصباح. يريد أن يبدأ قصة تحقيق الحلم الذي جاهد لتحقيقه طويلاً.
يحب حمد التدريب الصباحي كثيراً. يرى هدفه الذي من أجله ارتدى هذه البدلة قريباً منه، يمسكه بيده، يتحسسه، يتصاعد الدخان من صدره فيعلو صوته وتتناغم حركة أفراده مع حماسه، فيلامس حمد السماء، ولا يريد أن يعود.
يسقط حمد من سمائه مفعماً بالأمل مثقلاً بالتعب، يتمدد على أريكته ولكنه لا ينام!
- حمد يا بني أريد أن أحدثك بأمر هام.
كان صوتها يخترق الغطاء!
- أمي، ما الخبر؟
- أحلام ابنة عمتك، ما رأيك بها؟
يتمتم حمد وهو يفرك عينيه:
- أحلام ماذا؟، هل هي حقاً أحلام؟!
حمد العشريني نفسه يقف أمام المرآة زاهياً ببشته هذه المرة! كانت خلفه أحلام تجلس على حافة السرير، نظر إليها ثم أطفأ شمعة كانت على المنضدة. ونام تلك الليلة كما لم ينم من قبل.
استيقظ حمد باكراً على غير العادة، كان مسروراً ومغتبطاً، ويشعر بأنه يلامس السماء!، فاليوم هو حفل تخرج ابنه وليد من الكلية العسكرية!